samedi 4 juillet 2026
الدكتور بولكباش: الطبيب الذي رسخته الذاكرة الشعبية في جربة.
السجل المهني:
يُعدّ الدكتور م. بولكباش من أشهر الأطباء الذين عملوا في جزيرة جربة خلال أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، ويُرجّح أنه واصل عمله إلى حدود أواخر الستينيات قبل أن ينتقل إلى العاصمة بالقرب من
ابنته، حتى وفاته هناك. وعن اختصاصه كما تدل عليه الوثيقة المصاحبة (شهادة فحص لأحد المرضى في حومة السوق سنة 1954) فقد كان طبيب طب عام ويمارس التوليد أيضًا، وهو أمر كان شائعًا قبل
ظهور اختصاص طب النساء والتوليد. و كانت عيادته أيام الاثنين والثلاثاء والخميس ما يعني أنه ربما كان يتنقل بقية الأسبوع إلى مناطق أخرى من الجزيرة أو إلى مدن الجنوب. (قيل أنه كان معروفا في
أغلب مدن الجنوب التونسي في تلك الفترة).
السجل العائلي:
تذكر الروايات الشفوية أن أصله ربما يعود إلى إحدى العائلات ذات الجذور التركية أو المملوكية التي استقرت في تونس منذ العهد العثماني، وهو ما قد يفسر لقب "بولكباش" أو "بولكباشي" BELUKBACHI
كما دونه بنفسه على سجلات مرضاه. الذي يبدو مشتقًا من اللقب التركي Bölükbaşı، والكلمة التركية: Bölükbaşı (بولوك باشي / بولكباشي) [وتتكون من: Bölük = وتعني فرقة أو سرية
عسكرية. Başı = وتعني رئيس أو قائد.].. معناها قائد فرقة أو رئيس السرية، وهو لقب عسكري عثماني معروف، مثل ألقاب: آغا (Ağa) باشا (Paşa) جاويش (Çavuş) سباهي (Sipahi) .
وفي تونس بقيت عدة ألقاب عثمانية تحولت إلى أسماء عائلات، مثل: باشا - داي - خوجة - جاويش - سباهي – بولكباشي.
السجل الانساني:
عرف الدكتور بولكباش بصرامته وتفانيه في عمله، و على الرغم من هذه الصرامة الا أنه مع ذلك كان عطوفا محبا للناس كما تروي الذاكرة الشفوية، إذ عُرف بمساعدة الفقراء وعلاج المحتاجين دون مقابل
عند الضرورة، ما جعل مكانته تكبر في قلوب أهالي جربة والجنوب التونسي عمومًا. حتى خلّدته الذاكرة الشعبية في أغنية متوارثة لا تزال تُردد إلى اليوم، (غناها الحبيب الجبالي = فرقة أولاد سيدي جمور)
تقول كلماتها:
يعز عليّا بـولكباشْ داوالي ولدي غاليّا طبيب كبيـر داوالي نور وبشير السّيفاوي
يدلّه للخير ڤالّي ولّيله لعشية ڤتله يا عمّي ولدي مريض بنمشي لُمّي ڤالي فاشنوّة
تستنّي برّي والمصروف عليّا ينهار السّبّات لا كراهب لا شركات كان عروة زين
الصّيفات يجيني ويجيب التّاكسيّا يدلّه للخير، نا عروة عاقل ورزين للحارة نبعثله
صغير يجيني وجيب التّاكسيّا.
قراءة في الاغنية:
تعكس هذه الأغنية صورة الطبيب الإنساني الذي كان يطمئن المرضى ويتكفل أحيانًا بمصاريف العلاج، مما جعله رمزًا للرحمة والإحسان في المخيال الشعبي... بل "طبيب كبير" يعالج الأطفال وينقذهم "داوا
لي ولدي الغاليا" حين غابت برامج الحماية الاجتماعية.. بل كان الدكتور بولكباش هو برنامج الحماية الاجتماعية والصحية لا فقط للأطفال (نور وبشير) بل لسكان جربة من العائلات المعوزة وبسطاء الناس.
وهنا لابد أن نذكر ما عانته جربة وباقي مدن وقرى تونس المستعمرة من أمراض و أوبئة مثل الطاعون، والتيفوس، والكوليرا، والسل، والملاريا، والرمد الحبيبي (التراخوما)بسبب رداءة التغذية والفقر والجوع
والتهميش وهو ما أشار له الطبيب الفرنسي:"بونوا غومير في كتابه التنظيم الصحي في تونس تحت نظام الحماية الفرنسية (1881- 1956.). الذي تحدث عن نسب وفاة عالية جدا للأطفال خاصة للمسلمين
منهم مقارنة بغيرهم من أبناء الجاليات الاوروبية.
والرجل كما تقول كلمات الاغنية لا يغيب عن مساعدة الاخرين و مد يد المساعدة لهم ("برّي والمصروف عليا") حتى أيام العطل ونهاية الاسبوع ("نهار السبات لا كراهب لا شركات") حين يقصده
المرضى والمحتاجين.. وهنا نحن لسنا أمام طبيب عادي اختار جربة ليفتح عيادته بل لا يمكن فصل هذا الاختيار عن المتغيرات السياسة العالمية والفرنسية خاصة مع نهاية الحرب العالمية وقبل ذلك صعود
الجبهة الشعبية في فرنسا سنة 1936 بقيادة الاشتراكي ليون بلوم، وانتشار تيار ما يعرف بالطب الاجتماعي (Médecine sociale) مع الطبيب الألماني رودولف فيرشو الذي عرف عنه عبارته الشهيرة:
"الطب علم اجتماعي، والسياسة ليست إلا طبًا على نطاق واسع." وكان هذا التيار يرى أن المرض لا ينتج فقط عن الجراثيم، بل أيضًا عن: الفقر وسوء التغذية والسكن غير الصحي وظروف العمل والأمية
وغياب الحماية الاجتماعية. وأن الدولة مطالبة بالتدخل لمعالجة الأسباب الاجتماعية للمرض وليس فقط علاج المرضى. لذلك أُنشئ مكتب "الصحة الاجتماعية والطب الوقائي"، ثم استُعيض عنه بعد نهاية الحرب،
بـ "وزارة الشؤون الاجتماعية"، لضبط تدخل الدولة بصورة منظمة في مجال الصحة العامة، غير أن تطبيق هذه السياسات في المستعمرات (ومنها تونس) بقي محدودًا بسبب الطبيعة الاستعمارية للنظام. وبقي
القطاع الصحي مهمشا في الجهات الداخلية، وهو ما يفسر تطوع بعض من آمنوا بهذا الاتجاه الانساني والاجتماعي في العمل الصحي ربما، مثل الدكتور بولكباش. أو قد يكون الرجل قد هضم مبادئ مجتمع
الجزيرة وأصول الشخصية الجربية القائمة على التضامن والتماسك والوحدة رغم تنوع المجتمع. ايمانا بفكرة مارسيل موس عن "الهبة" بما هي احدى أهم "الافكار الاخلاقية للشعوب السامية" بل يمكن اعتبارها
حجر الزاوية في أخلاق شعوب الشرق القديم..
وجربة كما نعلم عرفت هذا التنوع الاثني الفريد بما عرفته من هجرات نحوها. من رومان و ترك ومماليك ويهود.. و لفظة «السّبات» في الأغنية تحيل إلى صيغة كانت متداولة في البيئة الجربية، ولا سيما
لدى اليهود، «شَبّات» (Shabbat).العبري.. كما ان عبارة "الحارة" الواردة في الاغنية يُرجح أن المقصود بها حين تنطق مجردة هكذا يقصد بها في الغالب الحارة الصغيرة (حارة اليهود) بحومة السوق،
وهو الاستعمال الشائع في اللهجة المحلية. حيث كانت الحارة مجالا للتعايش بين التونسيين، خاصة بين اليهود و المسلمين لعقود طويلة. تعايش قد يرتقي الى تعاون وتضامن عند الشدائد و الازمات. وتشير
كلمات الاغنية الى شخصية "عُروة"، وهو المرسول [وأظنه شخصية عامة في "حومة السوق" عرف بكونه صاحب واجب وخدوم ومحبوب ومحل ثقة من الجميع يقضي لهم شؤونهم حتى وُصف ب "زين
الصيفات" "يدلّه للخير" وهي عبارة نقولها لمن يحسن عملا يساعد به الاخرين]. الى حارة اليهود لاستجلاب سيارة أجرة لنقل طفل مريض الى الطبيب المذكور.
وفي النهاية، نعتقد أن هذه الأغنية ليست مجرد مدح لطبيب، بل هي أيضًا وثيقة اجتماعية تصور مشهدا يعج بالحياة والحركة من الذاكرة الشفوية الجماعية، يختصر جانبًا من تاريخ جربة اليومي أكثر مما قد
نجده في الوثائق الرسمية، يتحدث في كلمات عامية بسيطة عن: طبيب وعن الطب، عن الفقر، عن التكافل، عن النقل، عن الحارة، عن العلاقات الاجتماعية والاثنية، عن شخوص المدينة... ما قد يحيلنا على
المقاربة الواقعية للفرنسي دانيال برتو (Daniel Bertaux) الذي اعتبر السيرة الذاتية لبعض المهنيين او الحرفيين في المجتمع أساس كتابة وحفظ الذاكرة الجمعية ك "قصة حياة".
Inscription à :
Articles (Atom)
